أبي طالب المكي

171

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

عدلا منه وحكمة . كما قال تعالى : * ( وتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقاً وعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ ) * [ الأنعام : 115 ] . قيل : صدقا للمؤمنين وعدلا على الكافرين . قال الله تعالى مخبرا عن إخوة يوسف : * ( تَالله لَقَدْ آثَرَكَ الله عَلَيْنا ) * [ يوسف : 91 ] فهذا نص في الإيثار لبعض خلقه على بعض . ثم رأيت تصديق ما ذكرته عن ابن عباس رواها إسماعيل عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس في قوله تعالى : * ( والَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها ) * [ الأعراف : 42 ] . يعني إلَّا طاقتها من العمل لأن الله تعالى افترض على المؤمنين أعمالا يطيقونها . ولم يفترض عليهم ما لا يطيقون . هذا نقل لفظ ابن مسعود في تخصيص المؤمنين ، كما ذكرناه آنفا . ويقول أيضا في تفصيل هذه المسألة : للزائغين فيها تعلق ابتغاء التأويل أنّ الله تعالى كلَّف العباد ما لا يطيقونه إلا به لافتقارهم إليه وعدم استغنائهم عنه في كل حركة وسكون ، إذ لا مشيئة لهم دون مشيئته ولا استطاعة إلَّا بتوفيقه ولا حول ولا قوة إلَّا به . ألم تسمع إلى قوله تعالى في وصف الكافرين : * ( ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ ) * [ هود : 20 ] . وقال تعالى في مثله : * ( وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ) * [ الكهف : 101 ] . وقال فيمن استطاع به إن أريد إلَّا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلَّا بالله عليه توكلت . وروينا عن النبي صلى الله عليه وسلم : من صلَّى كما أمر غفر له ما تقدّم من ذنبه . وقد يروى في خبر : يقول الله تعالى : ليس كل مصلّ أتقبّل صلاته إنما أتقبّل صلاة من تواضع لعظمتي وخشع قلبه لجلالي ، وكفّ شهواته عن محارمي ، وقطع ليله ونهاره بذكري ، ولم يصر على معصيتي ، ولم يتكبّر على خلقي ، ورحم الضعيف ، وواسى الفقير من أجلي ، على أن أجعل الجهالة له حلما ، والظلم له نورا يدعوني فألبّيه ، ويسألني فأعطيه ، ويقسم عليّ فأبره ، أكلؤه بقوّتي وأباهي به ملائكتي . لو قسم نوره عندي على أهل الأرض لوسعهم . مثله كمثل الفردوس لا يتسنّى ثمرها ولم يتغير حالها . وفي الخبر : كم من قائم حظه من قيامه السهر والتعب . ومن صلَّى صلاة وراء إمام فلم يدر ما ذا قرأ فهو نهاية السهو ، فإنه تارك الأمر للاستماع فيخاف عليه مجانبة الرحمة لأن الله تعالى ضمن الرحمة بشرطين : الاستماع والإنصات . وقال سبحانه في المعنيين : * ( وإِذا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) * [ الأعراف : 204 ] . وقال تعالى : * ( فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا ) * [ الأحقاف : 29 ] . وروينا في خبر : أن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى صلاة فترك في قراءته . فلما انفتل قال : ما ذا قرأت ؟ فسكت القوم . فسأل أبيّ بن كعب فقال : قرأت سورة كذا وتركت آية كذا فما أدري أنسخت أم رفعت . فقال : أنت لها يا أبيّ . ثم أقبل على الآخرين فقال : ما بال أقوام